|
زيدون الزعبي بعد عام على سقوط نظام الأسد، وتسلم أحمد الشرع مقاليد الحكم، في عملية تحول دراماتيكية، ما تزال سوريا تواجه أسئلة وجودية: كيف ستواجه سوريا مخاطر التقسيم، والانهيار الاقتصادي، والاحتلال الإسرائيلي، والحرب الأهلية، والإرهاب؟ ليست هذه بطبيعة الحال مخاطر مستقلة عن بعضها البعض، بل تكاد كلها أن تكون مجتمعة ويغذي كل منها الآخر. كانت هذه المخاطر جلية بعد يوم واحد من وصول قوات هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها إلى دمشق. هل ما تزال هذه المخاطر قائمة اليوم؟ هل انخفضت احتمالاتها أم ازدادت؟ ما هي سياسة الشرع في مواجهة هذه المخاطر؟ والسؤال الأهم: هل ستنجو سوريا وكيف؟ هل هذه المخاطر حقيقية؟ هناك من يريد أن يظهر أن هذه المخاطر صغيرة أو مبالغ بها، وأن سوريا قد تجاوزت الأخطر برحيل نظام الأسد. وعليه، يبدو في غاية الأهمية تقييم هذه المخاطر بشكل علمي.ء أولاً، التقسيم: لا يبدو هذا الخطر بعيداً أو متخيلاً بل هو تعبير عن واقع فعليّ يتجسّد في الأرض. فمطالب الانفصال التي تعلو في السويداء، والتفاوض المتعثر بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، ومناطق في الشمال تخضع للنفوذ التركي وغياب جيش سوري وطني جامع يجمع كل هذه القوى تحت راية واحدة، يؤكد أن سوريا تعيش حالة "تقسيم الأمر الواقع".ء كما تعمق مسألة التقسيم خطابات التجييش والاستقطاب الحاد على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت إلى ساحات للتحريض والإقصاء. فهذا الاستقطاب الرقمي يعمّق الهوّيات الفرعية على حساب الهوية الوطنية المشتركة، ويمنع بناء الثقة اللازمة لأي مصالحة حقيقية.ء إن هذا الخطر هو واقع الحال وليس خطراً مستقبلياً، لا تمكن معاكسته إلا بتشكيل جيش وطني سوري موحد يكون مؤسسة وطنية جامعة، بعيدة عن الولاءات الطائفية أو الإقليمية أو السياسية الضيقة، ويكون حامياً للسيادة وسلامة الأرض، وإطلاق تفاوض حقيقي وجاد - ليس حول الصلاحيات فحسب - بين المركز والأطراف. أي حل للتقسيم يجب أن يرتكز على الاعتراف بأن البلد مسؤولية الجميع وللجميع.ء ثانياً، الاحتلال الإسرائيلي: لم يعد هذا الخطر احتمالاً، بل تؤكده الوقائع على الأرض. فنتنياهو لم يتورع عن تدمير بقايا الجيش السوري، بعد يوم واحد من سقوط الأسد، ولم يتردد باحتلال مزيد من الأراضي السورية بما في ذلك مناطق من ريف دمشق والقنيطرة، مجدداً رغبته بجنوب منزوع السلاح وممرّ إلى السويداء، ورفضه القاطع العودة إلى اتفاق 1974. ليس هذا وحسب، بل لم يتردد بقصف الأركان ومحيط القصر الجمهوري وأرتال الجيش السوري، وطيرانه يتحرك في طول البلاد وعرضها. هذا خطر آخر ليس في باب الاحتمال، بل واقع متجسّد على الأرض.ء ثالثاً، الانهيار الاقتصادي: ليس خافياً أن أحد أسباب انهيار نظام الأسد هو العقوبات الاقتصادية الشديدة التي طبقها العالم الغربي عليه، رغم أن جزءاً مهماً من هذه العقوبات قد أزيل بالفعل، إلا أن قيصر العقوبات، والأكثر تأثيراً على البلاد واقتصادها ما زال جاثماً على صدر الاقتصاد السوري، رغم تعليقه، ورغم الإشارات المتكررة عن إزالته، وفي آخرها الحديث عن إيقافه بالكامل في نهاية العام الجاري. حتى لو أزيل قيصر قريباً، فإن آثاره ستبقى قائمة إلى أمد طويل لن يكون من السهل على السلطة والمجتمع التعامل معها. ليس هذا وحسب، فالاقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية جوهرية تمثلت في الانهيار الشامل للعملة الوطنية وموجة تضخم غير مسبوقة قوضت قدرة المواطنين الشرائية. كما شهدت القطاعات الإنتاجية الأساسية، من صناعة وزراعة، انحداراً حاداً بسبب الدمار ونقص الاستثمار والطاقة، في وقت تراكم فيه التخبط الإداري والمؤسسي بشكل أعاق أي جهود للإصلاح أو إعادة البناء. وقد تفاقمت هذه الأزمات بفعل معضلات بنيوية مزمنة مثل انهيار شبكة الكهرباء والطاقة والبنية التحتية اللازمة لإعادة تدوير عجلة الاقتصاد، والجفاف الكارثي الذي ضرب القطاع الزراعي الحيوي وهدد الأمن المائي والغذائي للبلاد. وبالتالي، فإن المشهد الاقتصادي الراهن هو نتاج تراكمي لهذه الضغوط الداخلية إلى جانب العقوبات الخارجية، مما يعني أن التعافي حتى بعد رفع العقوبات سيظل رهيناً بمعالجة تلك الجذور الداخلية وإعادة بناء البنية التحتية والثقة الاقتصادية. مرة أخرى ليس هذا خطراً محتملاً بل واقع قائم على الأرض.ء رابعاً، الحرب الأهلية: إذا ركنا إلى التعريفات الأكاديمية فما هو قائم في سوريا ليس إلا حرباً أهلية، وما زالت سوريا في مرحلة النزاع وليس في مرحلة ما بعده. فالاقتتال الذي جرى بين البدو والدروز والذي تلته من معارك بين القوات الحكومية والفصائل الدرزية من جهة أدت إلى انتهاكات جسيمة ومذابح طالت المدنيين الدروز، وما سبقها من هجوم لقوى مرتبطة بفلول النظام السابق على قوى الأمن العام في الساحل، وما تلاها من هجمات فصائل قادت إلى مذابح بحق المدنيين العلويين. وتستمر حالة اللاسلم واللاحرب بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما يؤكد أن جذور الصراع الأهلي ما زالت متقدة وأن البلاد ما تزال ترزح تحت نيران الحرب الأهلية. مرة أخرى ليس هذا خطراً محتملاً، بل واقع قائم على الأرض.ء إنَّ الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب أكثر من توقف القتال، فأي مسار حقيقي نحو السلام والاستقرار لا يمكن أن يتحقق من دون إرساء عملية حوار وطني جامع وحقيقي، تضم كل الأطياف السورية وتعالج جذور الأزمة السياسية والاجتماعية. كما أن بناء سلام دائم مرتبط بشكل عضوي بتحقيق العدالة الانتقالية، التي لا تقتصر على العدالة الجزائية فحسب، بل تشمل كشف الحقيقة، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات غيرها، وفي حالة تسوريا تبدأ حتى من قبل سقوط النظام. إن غياب هذه الآليات، يُغذي دائرة العنف ويهدم أي جهد لإعادة اللحمة الاجتماعية وبناء ثقة المواطنين بمستقبل مشترك.ء خامساً، الإرهاب: يتكرس هذا الخطر بعودة نشاط داعش بشكل لافت خلال العام 2024. فقد ازدادت هجمات التنظيم بمعدل 250[1]% عن العام الذي سبقه، مستفيدًا من حالة الفوضى التي رافقت تحرير المعتقلين من جهة، والتفكك المستمر في البلاد. يقدر عدد أفراد التنظيم في سوريا بحوالي 2000-2500 عنصرًا يتوزعون بمجموعات صغيرة تشن هجمات على قسد والقوات الحكومية على السواء وخصوصًا في مناطق البادية، وتحديدًا في ريف دير الزور في ما يعرف بمثلث برمودا: البصيرة وجبل البشري والسخنة وذيبان في دير الزور. هذا أيضًا ليس خطرًا محتملًا بل واقع على الأرض.ء ليس المقلق وجود هذه العوامل فقط، بل بترابطها الكثيف وتأثيرها المتبادل والذي يخلق حلقة شر تهدد البلاد. فمظاهر الحرب الأهلية تكرس تقسيم الأمر الواقع، والاقتصاد المتهالك يغذي كل أشكال النزاع. زد على ذلك، أن الجفاف الذي يهدد الأرياف المدمرة سلفًا، يتسبب بهجرة الشباب إلى المدن رافعة من مستوى البطالة إلى حدود غير مسبوقة، مما يجعل الطفرة الشبابية المقبلة (تشير التقديرات أن سوريا مقبلة على طفرة شبابية حوالي العام 2030) ستجعل من الشباب قنبلة موقوتة تتغذى على النزاعات الطائفية والاقتصاد المتهالك والتدخلات الخارجية لما يمكن تسميته بعاصفة مكتملة الأوصاف قادرة على تفجير البلاد.ء| سياسة الشرع الخارجية والداخلية نحو الاستقرار:ء يبدو أن الشرع يرى أن أهم ما يمكّن حكمه من الاستقرار هو العلاقة مع الخارج الإقليمي والدولي. وفي كل ذلك تبدو الولايات المتحدة الأميركية هي حجر الأساس في كل المقاربات. فالداخل يعتمد على الأميركي تقريباً في كل شيء. فعودة عجلة الاقتصاد تعتمد على رفع العقوبات التي تفرضها أميركا، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية يعتمد على الوساطة الأميركية، والوساطة مع قسد بيد الولايات المتحدة، والوساطة مع الفصائل الدرزية بيد أميركا (والأردن) ومحاربة الإرهاب تتطلب دعماً أميركياً وازناً، سواء لجهة المعلومات الاستخبارية، أو لجهة تنفيذ العمليات بحد ذاتها.ء كما يعتمد الخارج على الأميركي في رفع عقوبات الأمم المتحدة، وإزالة التصنيف، وعدم فرض فيتو على العلاقات مع روسيا والصين. كل ذلك يقول إن أميركا، أو قل ترامب، هو حجر الارتكاز الأساسي في سياسة الشرع. بالتأكيد يسعى الشرع إلى بعض الموازنة في الدور الأميركي من خلال علاقات إيجابية مع روسيا وأوروبا من جهة، وتركيا من جهة ثانية، والسعودية والعرب عموماً من جهة ثالثة. لكن هذه العلاقات تبقى جميعها في إطار الدور الداعم النسبي، والموازن النسبي إن صح التعبير، ولا تشكل عاملاً فارقاً، باستثناء تركيا والسعودية، كلاعبين أساسيين في دعم جهود الشرع لإعادة سوريا إلى دائرة الأمم بعد أن كانت معزولة تماماً خلال سنوات الثورة. غير أن كل هذه الموازنة لا تعني شيئاً في حال تغير سياسة ترامب، مما يجعل العلاقة مع ترامب، رهاناً وحيداً إن فشل فإن سوريا ذاهبة إلى جحيم غير مسبوق.ء أما سياسة حكومة دمشق الداخلية، وعلى الرغم من تداخلها مع السياسات الخارجية إلا أن لها سمات مميزة هي الأخرى. فالشرع يسعى تحسين الخدمات في مراكز المدن عموماً وفي المدن الكبرى دمشق وحلب تحديداً. فأعمال النظافة، وتحسين المظهر، وتحسين ساعات الكهرباء، تصب جميعاً في محاولات الحكومة إلى تحسين البيئة الجاذبة للاستثمار، ورفع مستوى رضا المجتمع، وفي المناطق الحضرية تحديداً. كما يسعى إلى بناء شبكة واسعة من الاقتصاديين السوريين، سواء كان أولئك من الاقتصاديين الذين عارضوا نظام الأسد أم الذين والوه، أو حتى من أولئك الذين كانوا جزءاً من منظومته، في واقعية سياسية لافتة، تسعى إلى معاوضة الاقتصاد المتهاوي في البلاد. غير أن السياسة الاقتصادية التي يمكن قراءتها من معالمها الأولى تتجه نحو اقتصاد سوق صرف، وربما اقتصاد سوق قاسٍ قد يعرض الفئات الفقيرة إلى مزيد من الفقر والتهميش.ء كما يسعى الشرع إلى البناء مع الجماعات الأهلية، دون السياسية. فجميع اجتماعاته حتى الآن لم تشمل أي حزب أو تيار سياسي، بل اكتفت بلقاء رجال الدين وممثلين عن الطوائف والجماعات، باستثناء قوات سوريا الديموقراطية بطبيعة الحال. كما تبدو جميع اجتماعات الأحزاب غير مرحب بها، في ظل إشاعات عن رغبة الشرع في بناء حزبه السياسي من جهة، وبعد إقرار قانون جديد للأحزاب. تعوض الحكومة كل هذا بمساحة معقولة للمجتمع المدني بتفاوتات مهمة في المحافظات تتيح العمل في منطقة ما وتعيقه في أخرى. رغم هذا الانفتاح تجاه المجتمع المدني، إلا أن السلطة حاولت استقطاب المجتمع المدني إلى الدوائر الحكومية لكسبه إلى صفها من جهة، وإبقاء المؤسسات الإنسانية لتكون اللاعب الأبرز في المجتمع المدني، في سعي إلى شكل من أشكال التحكم بالمجتمع المدني.ء أما في مجالات الحوكمة، فمن الواضح أن الحوكمة المحلية تأخذ دورًا مهمًا في مقاربات حكومة دمشق، سواء لجهة إدارة الملفات الخدمية المحلية، أو لجهة العلاقة مع قسد وباقي الأطراف. فهناك مساحة تفويض مهمة للمحافظين، الذين ينحدر عدد مهم منهم من المحافظة نفسها، لإتاحة الفرصة لإعادة بناء المركز من قبل السلطات في دمشق. بالتأكيد لم تكن هذه سياسة ثابتة من لحظة انطلاق الحكومة، لكنها تعززت بعد نجاح حملات جمع التبرعات المحلية كأبشري حوران، والوفاء لإدلب، ودير العز وغيرها، في حين لم تحظ حملات صندوق التنمية بالنجاح ذاته. زد على ذلك، أن هناك ميلًا لتوحيد المسارين الأمني والخدمي في التقسيمات الإدارية مع تفويضات مهمة للمسؤولين في المحافظات والمناطق، في سعي لتحسين مستوى اللامركزية، بعد عقود من المركزية الشديدة.ء باختصار شديد، تبدو سياسة الحكومة الانتقالية الحالية اليوم الاعتماد على الولايات المتحدة والسعودية وتركيا تجاه الخارج والداخل، مع سياسات فتح الاقتصاد، والإبقاء على الحريات الاجتماعية في حالة توازن بين المجتمع المحافظ والليبرالي وإغلاق السياسة، في توجه يبدو أشبه بحالة الإقليم عموماً، وفي الخليج خصوصاً، مع فارق جوهري واحد مفاده أن للخليج اقتصاد رافع في حين يتعين على سوريا أن تنتظر طويلاً أو أن تصبر طويلاً وهي حرفياً تسير فوق الهاوية لا على حافتها.ء [1] المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات، https://www.europarabct.com/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%80-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%81%D9%8A/. آخر دخول 07/12/2025 عن الكاتب .زيدون الزعبي هو زميل مشارك في المعهد نُشِر هذا المقال من قبل معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، وذلك بدعمٍ جزئي من مؤسسة كارنيغي في نيويورك.ء إنَّ الآراء الواردة في هذه الورقة البحثية تعبّر عن آراء المؤلِّفين فقط، ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية أو مؤسسة كارنيغي في نيويورك.ء Comments are closed.
|
Archives
January 2026
Categories |